فخر الدين الرازي

63

المطالب العالية من العلم الإلهي

فقد جوزتم حصول رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وذلك باطل . وإن أحوجتموه إلى مرجح ، عاد البحث في أن ذلك المرجح ، هل هو صالح للطرفين ، أو غير صالح إلا للطرف الواحد ؟ وأما إن كان الحق هو القسم الثاني ، وهو أن تلك الإرادة متعينة لاقتضاء إحداث العالم في ذلك الوقت المعين ، وليس لها صلاحية اقتضاء إحداث العالم في سائر الأوقات ، فحينئذ لا يكون اللّه تعالى مختارا بل كان موجبا بالذات لهذا الأمر المعين [ فإن ذاته مستلزمة لتلك الإرادة ، وتلك الإرادة مستلزمة لإحداث العالم في ذلك الوقت المعين « 1 » ] ومستلزم المستلزم : مستلزم . فتكون ذات اللّه [ تعالى « 2 » ] مستلزمة لإحداث العالم في ذلك الوقت المعين ، وليس له إمكان إحداثه في وقت آخر ، فلا معنى للموجب إلا ذلك . وهذا يقدح في قولكم : إن إله العالم فاعل مختار . الحجة الثالثة في بيان ضعف هذا الكلام : أن نقول : [ إن « 3 » ] تلك الإرادة [ لما « 4 » ] اقتضت إحداث العالم في ذلك الوقت المعين . فذلك الوقت المعين هل هو حاضر في الأزل أو غير حاضر في الأزل ؟ فإن كان حاضرا في الأزل ، لزم حصول الأثر لا محالة في الأزل ، وإن كان غير حاضر في الأزل ، فذلك الوقت المعين أمر حادث ، فلا بد وأن يكون حدوثه بإحداث اللّه [ تعالى « 5 » ] فإما أن يقال : إنه تعالى أراد إحداث ذلك الوقت ، من غير أن يختص إحداثه بوقت معين ، أو يقال : إنه أراد إحداثه بشرط أن يختص إحداثه بوقت معين ، فإن كان الأول ، لزم أن يكون ذلك الوقت حاصلا [ في الأزل « 6 » ] وحينئذ يعود ما ذكرنا من أنه يلزم قدم الأثر ، وإن كان الثاني وهو أنه تعالى أراد إحداث ذلك الوقت في وقت آخر معين ، لزم افتقار ذلك الوقت إلى

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) . ( 2 ) من ( ت ) . ( 3 ) من ( ت ) . ( 4 ) ( ط ، س ) . ( 5 ) من ( ت ) . ( 6 ) من ( ط ) .